ابن تيميه

93

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

تعالى : وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [ المائدة : 2 ] وقوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [ البقرة : 222 ] وقوله تعالى : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [ الجمعة : 10 ] وقوله تعالى : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ إلى قوله : مِنَ الْفَجْرِ [ البقرة : 187 ] . فإن هذا لما جاء بعد حظر الجماع والأكل بعد النوم ليلة الصيام أفاد الإباحة ، وهذا بخلاف قوله تعالى : وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ [ الأحزاب : 53 ] فإن الانتشار هنا قبل ذلك لم يكن واجبا فإنه أذن لهم في الدخول ، لم يوجبه عليهم . وأما قوله : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 5 ] . فإنه أيضا لرفع الحظر وإعادة الأمر إلى ما كان قبل الأشهر ، وهو أنه كان مأمورا به . وقد ورد الأمر المطلق ؛ لكن في زيارة قبر أمه كما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : زار النبي صلى اللّه عليه وسلّم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ، فقال : « استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي ، واستأذنته في أن أزورها فأذن لي ، فزوروا القبور فإنها تذكّر الموت » . ومعلوم أن استئذانه ربه طلب إباحة الزيارة لا طلب استحبابها ، فلما أذن له كانت زيارته لأمه مباحة ، فقوله : « فزوروها » ورد على هذا السبب ، فلا بدّ أن يتناوله ، فيدخل في ذلك زيارة القريب الكافر من غير دعاء له ولا استغفار ، ومعلوم أن هذه الزيارة ليست مثل ما كان يفعله بأهل البقيع وشهداء أحد ، ونحو ذلك من زيارة قبور المؤمنين التي تتضمن الدعاء لهم ، ولا يلزم إذا كانت تلك مستحبة لما فيها من نفع المؤمنين ؛ كالصلاة على جنائزهم ، أن تكون هذه مستحبة . وقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « فإنها تذكّر الموت » ؛ هو بيان لجهة المصلحة المعارضة للمفسدة التي أوجبت النهي فإنها تذكر الموت ، وإن كانت قد تورث جزعا ، ففيهما من

--> - وذهب الإمام أبو إسحاق الشيرازي وابن السمعاني والفخر الرازي والبيضاوي ، وأكثر الحنفية ، والباجي من المالكية ، وأبو حامد الأسفراييني وغيرهم ، إلى القول بأن الأمر بعد التحريم يفيد الوجوب . وذهب الشافعي والآمدي والقاضي عبد الوهاب المالكي وابن خويزمنداد وابن الحاجب وابن قدامة وغيرهم إلى أنه يفيد الإباحة . واختار إمام الحرمين والغزالي الوقف بين الإباحة والوجوب . وانظر لتفصيل المسألة : « المستصفى » للغزالي ( 1 / 263 ) و « أصول السرخسي » ( 1 / 19 ) و « المحصول » للرازي ( 2 / 96 - 98 ) و « نفائس الأصول في شرح المحصول » للقرافي ( 3 / 1321 ) و « نهاية الوصول في دراية الأصول » للأرموي ( 3 / 915 - 921 ) و « الأحكام للآمدي » ( 2 / 178 ) و « نهاية السئول في شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول » للأسنوي ( 1 / 415 - 417 ) و « روضة الناظر » لابن قدامة ( 1 / 559 - 563 ) و « التحقيقات في شرح الورقات » لابن قاوان ( ص 189 - 190 ) و « التمهيد في أصول الفقه » للكلوذاني الحنبلي ( 1 / 179 - 186 ) و « القواعد والفوائد الأصولية » لابن اللّحام ( 228 - 230 ) .